صديق الحسيني القنوجي البخاري

8

فتح البيان في مقاصد القرآن

أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً طلبوا أن يكون النبي مصحوبا بملك . يعضده ويساعده ، تنزلوا عن اقتراح كون الرسول ملكا ، مستغنيا عن الأكل والكسب ، إلى اقتراح أن يكون معه ملك يصدقه ، ويشهد له بالرسالة أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ تنزلوا من مرتبة نزول الملك معه إلى اقتراح أن يكون معه كنز يلقى إليه من السماء ، ليستغني به عن طلب الرزق . أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها قرأ الجمهور بالفوقية ، وقرىء بالتحتية لأن تأنيث الجنة غير حقيقي ، وقرىء نأكل بالنون ، أي : بستان نأكل نحن من ثماره ، وبالتحتية ، أي : يأكل هو وحده منه ، ليكون له بذلك مزية علينا ، حيث يكون أكله من جنته : قال النحاس : والقراءتان حسنتان ، وإن كانت القراءة بالياء أبين ، لأنه قد تقدم ذكر النبي صلّى اللّه عليه وسلم وحده ، فعود الضمير إليه أبين . عن ابن عباس قال : إن عتبه بن ربيعة وأبا سفيان بن حرب ، والنضر بن الحارث ، وأبا البختري والأسود بن عبد المطلب ، وزمعة بن الأسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبا جهل بن هشام ، وعبد اللّه بن أبي أمية ، وأمية بن خلف ، والعاص بن وائل ، ومنبه بن الحجاج ، اجتمعوا فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد وكلموه ، وخاصموه ، حتى تعذروا منه ، فبعثوا إليه ، أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك . قال : فجاءهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فقالوا : يا محمد ، إنا بعثنا إليك لنعذر منك ، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا ، جمعنا لك من أموالنا ، وإن كنت تطلب به الشرف . فنحن نسودك ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما بي مما تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ! ولا الشرف فيكم ! ولا الملك عليكم ، ولكن اللّه بعثني إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا ، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالة ربي ، ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم » قالوا : يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضنا عليك ، أو قالوا : فإذا لم تفعل هذا ، فسل نفسك ، وسل ربك ، أن يبعث معك ملكا يصدقك ، بما تقول ، ويراجعنا عنك ، وسله أن يجعل لك جنانا ، وقصورا ، من ذهب وفضة ، يغنيك عما نراك تبتغي ، فإنك تقوم بالأسواق ، وتلتمس المعاش ، كما نلتمسه ، حتى نعرف فضلك ، ومنزلتك من ربك ، إن كنت رسولا ، كما تزعم . فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « ما أنا بفاعل ، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن اللّه بعثني بشيرا ونذيرا » فأنزل اللّه في ذلك هذه الآية أخرجه ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن المنذر .